عثمان بن جني ( ابن جني )
425
سر صناعة الإعراب
فإن سأل سائل فقال : من أين لك الواو في هذا المثال ، وأنت تعلم أن الأول من الحرفين المدغم إنما هو ياء في « أي » ثم زدت على الياء كما زعمت ياء أخرى ، فصار « إيّ » ولسنا نجد للواو هنا مذهبا ولا أصلا ، أولست لو بنيت « فعّلت » من « في » لقلت : فيّيت فيّا حسنة ، ومن « إي » في قوله تعالى : إِي وَرَبِّي ( يونس : 53 ) : أيّيت ، فهلا قلت قياسا على هذا : أيّيت ؟ فالجواب : أن الياء في « في » و « إي » أصلان لاحظ لهما في غيرهما ، فوجب عليك إذا أردت أن تكمّلهما ثلاثيتين أن تعتقد أن الياء فيهما عينان ، فإذا زدت على الياء ياء أخرى مثلها صارت الكلمة عندك كأنها من باب « حييت » و « عييت » من مضاعف الياء ، فلذلك قلت : فيّيت فيّا ، وأيّيت إيّا . وأما الياء في « إي » في الهجاء على ما تأدّت إليه الصنعة ، فإنما هي بدل من الألف الثانية من الألفين اللتين صورتهما « اا » ، ثم إنها قلبت ياء لانكسار الألف الأولى قبلها ، فصارت « إي » فقد علمنا بذلك أن أصلها الألف ، وأنها إنما قلبت للكسرة قبلها ، وإذا كانت الألف المجهولة ثانية عينا أو في موضع العين وجب على ما وصّى به سيبويه « 1 » - وقد ذكرناه - أن يعتقد فيها أنها منقلبة عن واو ، وإذا كان ذلك كذلك فقد صارت « إيّ » على هذا الاعتقاد مثل « قيّ » من القواء « 2 » ، و « سيّ » من السّواء ، ولحقت بما عينه واو ولامه ياء نحو « طويت » و « شويت » ، فكما أنك لو بنيت « فعّلت » من « القيّ » و « السّيّ » لقلت : « قوّيت » و « سويت » فأظهرت العينين واوين لزوال الكسرة من قبلها ، وكونها ساكنة قبل الياء ، فكذلك ينبغي أن تقول في « إيّ » : « أوّيت » . فإن جمعت « إيّا » هذه على « أفعال » أقررت الفاء همزة بحالها ، وقلت « آواء » . وإذا كانوا قد أقرّوا الهمزة التي هي بدل من العين بحالها في « قويئم » تحقير « قائم » فهم بإقرار الفاء المبدلة همزة بحالها أجدر . وإن كسّرتها على « أفعل » قلت « آو » كما ترى ، فاعرف هذا ، وتأمّله ، فإن أحدا من العلماء لم يعمله فيما علمته ، ولا تضمّنه كتاب ، ولا اشتمل عليه تعليق ، وهو من غامض « 3 » صنعة التصريف ، ولطيف هذا العلم المصون الشريف .
--> ( 1 ) الكتاب ( 2 / 127 ) . ( 2 ) القواء : الأرض التي لم تمطر . اللسان ( 15 / 210 ) ( 3 ) غامض : ما لا يفهم .